تابعنا

تعديل

السبت، 10 أغسطس، 2013

بحث في قانون العمل



 بحث في قانون العمل
مقدمة
بعدما كنا تطرقنا من خلال بحوثنا السابقة إلى الأسباب القانونية لانتهاء علاقة العمل وعرفنا أنه يمكن أن تنتهي إما بالاستقالة أو التقاعد بالإضافة إلى الفسخ الاتفاقي لعقد العمل والعجز الكامل أو الظروف الطارئة, كما لا ننسى أهم هذه الأسباب وهي انتهاء مدة العمل في العقود المحددة.
بالرجوع إلى بحثنا هذا نجد أنه سنتم ما كنا تحدثنا عنه ألا وهو انتهاء علاقة العمل بحيث سنذكر هنا الأسباب المتبقية والمتمثلة في الأسباب العارضة وهي التسريح الأدبي والتسريح بسبب إدانة العمال بتهمة سالب للحرية، والأسباب الاقتصادية والمتمثلة فيما يعرف بالتسريح الجماعي.
ومن هنا يمكن طح إشكاليتنا: ماذا نقصد بالأسباب سابقة الذكر ؟ وما هي الآثار الناجمة عنها ؟

المبحث الأول: الأسباب العارضة.
حيث تتلخص هذه الأسباب في حالتين: التسريح التأديبي والتسريح لإدانة بتهمة سالبة للحرية. إلا أن هذه الأسباب لا تشمل كافة العمال، إذ أنه نص لها القانون أحكام وإجراءات خاصة وذلك قصد ضمان حقوق العمال من جهة ومن جهة أخرى حقوق ومصالح صاحب العمل.

المطلب الأول: التسريح التأديبي.
وهو من الحالات التي يجمع على شرعيتها كل من الفقه والقضاء والتشريع، إذ يعترف لصاحب العمل بحق إيقاف وفصل العامل الذي يثبت في حقه ارتكاب الخطأ الجسيم أثناء تأديته لعمله أو بمناسبة ذلك، وهذا قصد حماية مصالحه، وضمان استقرار وفعالية النظام في المؤسسة المستخدمة، وهو الذي يمكن تشبيهه بحالة الشخص الذي يخالف قواعد النظام العام والآداب العامة فيستحق العقوبة.
إلا أنه يوجد جدل فقهي حول تحديد طبيعة ونوعية الخطأ الجسيم الذي يستوجب الفصل ، إذ نجد أن أصحاب العمل قصد حماية مصالحهم يعملون على توسيع دائرة مفهوم أو مضمون الخطأ الجسيم بمقتضى الأنظمة الداخلية، وبالمقابل نجد الفقه والقضاء يعملان على تضييق هذه الدائرة حماية لمصالح العمال، وتقييدا لسلطة أرباب العمل، وهو الاتحاد الذي اتبعته بعض التشريعات العالمية من بينها الجزائر، حيث حاولت من خلال تنظيماتها إلى تضييق حالات الأخطاء الجسيمة بشكل حصري ومحدد، وهذا لسد باب السلطة التقديرية لصاحب العمل في تكييف الخطأ، وكذا منع التعسف في حق العامل تحت غطاء العقوبات التأديبية.
ونظرا لأهمية هذا الموضوع قانونيا وإجرائيا وجسامة آثاره ونتائجه فإننا نخصه بدراسة مفصلة مركزين على ثلاث نقاط أساسية هي:
1.مضمون ومدى الخطأ التأديبي: إذ تصنف الأخطاء المهنية في أغلب التشريعات إلى درجتين من حيث جسامتها وأهميتها:
·       أخطاء خفية أو بسيطة وهذه لا تؤدي إلى الفصل من العمل وتسمى أخطاء درجة أولى أو ثانية.
·       أخطاء درجة ثالثة وهي تلك التي تصل عقوبتها أحيانا إلى الفصل من العمل، لكن بعد إخطار مسبق وتعويض أو بدونهما.
أما تعريف الخطأ الجسيم، فهناك صعوبة في تحديد مقوماته وطبيعته، وبالتالي التوصل إلى وضع تعريف شامل له وذلك لعدة اعتبارات منها ما يتعلق بالمصطلحات المعتمدة للتعبير عن هذا الخطأ مثل الخطأ الجدي La faute sérieuse والخطأ الجسيم  La faute grave، ومنها ما يتعلق بقطاعات النشاط والمستويات المهنية، فقد تعتبر بعض الأخطاء لعامل مثلا في مستوى أدنى في السلم الوظيفي خطأ بسيط كإفشاء طريقة العمل أو ترك عمله لعامل آخر، في حين تعتبر هذه الأخطاء جسيمة بالنسبة لعامل في مستوى أعلى من السلم الوظيفي، أو في بعض الأعمال الخطرة أو التي تتطلب المراقبة كالتلحيم والنجارة.
كما تعود بعض الصعوبات إلى بعض الأحكام القضائية التي يختلف تكييفها للخطأ من نفس الجنس والنوع فتارة تكون بسيطة وتارة تكون جسيمة.
ورغم هذه الاختلافات إلا أنه يمكن تعريف الخطأ الجسيم بأنه "ذلك التصرف الذي يقوم به العامل فيلحق به أضرارا بمصالح صاحب العمل، أو بممتلكاته، أو يخالف به إحدى التزاماته المهنية، أو يلحق خسائر وأضرار إما لصاحب العمل أو العمال الآخرين، مما يجعل استمرار العامل في العمل أمر غير مقبول إما لخطورته، وإما بسبب المحافظة على النظام والاستقرار في مكان العمل".
أما فيما يتعلق بتصنيف هذه الأخطاء فتوجد طريقتين:
الأولى تنظيمية: وتتمثل في إحالة تحديد مضمون ومدى طبيعة هذه الأخطاء إلى الأنظمة الداخلية للعمل، والاتفاقيات الجماعية، حيث يتم ذلك في أغلب الأحيان من قبل صاحب العمل، أو بينه وبين ممثلي العمال، أو ما يعرف بنقابة العمال.
لكن نجد أن هذا النظام غالبا لا يؤدي إلى العدل والإنصاف في توازن المصالح المتناقضة بين مصالح أرباب العمل والعمال، وقد أخذ بهذا النظام المشرع الجزائري في المادة 73 من قانون العمل لسنة 1990قبل تعديلها حيث نصت على : "العزل في حالة ارتكاب العامل أخطاء جسيمة، حسب الشروط المحددة في النظام الداخلي"، هذا الأخير الذي يحدد حسب نص المادة 77/2 من نفس القانون طبيعة الأخطاء المهنية ودرجات العقوبات المطابقة وإجراءات التنفيذ.
الثانية قانونية: تتمثل في تكفل المشرع نفسه بتحديد نوعية وطبيعة الأخطاء المهنية الجسيمة، وكذلك الإجراءات المتبعة للعزل بسببها، والضمانات المقررة للعامل فيما يتعلق بالتكييف والإثبات وغيرها.
ولقد اعتمد المشرع الجزائري هذه الطريقة منذ بداية تشريعات العمل في الجزائر، سواء بمقتضى الأمر المتعلق بالشروط العامة لعلاقات العمل في القطاع الخاص لسنة 1975 من خلال المادة 36 الذي نصت على الخطأ الجسيم وحددته، كما نص على الخطأ الصادر من رب العمل من خلال المادة 33 وهي نفس الطريقة المعتمدة في مرسوم رقم 82-302 المتعلق بعلاقات العمل الفردية  لسنة 1982 التي حددت من خلال مادتيها 71 و75 الفقرة الأخيرة، مجموعة الأخطاء الجسيمة درجة ثالثة، والعقوبات المقررة لهذا الصنف من هذه الأخطاء.
ونظرا لأهمية هذه الطريقة ولما لها من مزايا فقد تراجع المشرع عن الطريقة الأولى وعدل من نص المادة 75 وأعاد صياغتها على النحو التالي: "يتم التسريح التأديبي في حالة ارتكاب العامل أخطاء جسيمة". وبالتالي حصر المشرع كافة الأخطاء المهنية الجسيمة.    
وعلاوة على الأخطاء الجسيمة التي يعاقب عليها التشريع الجزائي، هناك أعمال أخرى تعتبر أيضا أخطاء جسيمة وهي:
1.    رفض العامل لتنفيذ التعليمات المرتبطة بالتزاماته المهنية دون عذر مقبول والتي قد تلحق أضرارا بصاحب العمل.
2.  إذا أفشى معلومات مهنية تتعلق بالتقنيات والتكنولوجيا، وطرق الصنع والتنظيم أو وثائق داخلية للهيئة المستخدمة، إلا إذا أذنت له السلطة المعنية بذلك أو أجازها القانون.
3.    إذا شارك في توقف جماعي وتشاوري عن العمل خرقا للأحكام التشريعية الجاري بها العمل في هذا القانون.
4.    إذا قام بعمليات عنف.
5.    إذا تسبب عمدا في أضرار مادية تصيب البنايات والمنشآت والأدوات والمواد الأولية التي لها علاقة بالعمل.
6.    إذا رفض تنفيذ أمر التسخير الذي تم تبليغه وفقا لأحكام التشريع المعمول به.
7.    إذا تناول مخدر أو كحول داخل مكان العمل.
2.إجراءات الفصل التأديبي والضمانات المقررة للعامل: إن تحديد الأخطاء الجسيمة المهنية التي تمكن صاحب العمل من فصل العامل دون إشعار مسبق أو تعويض، لا يعني منحه سلاحا يمكنه من مواجهة هذه التصرفات دون قيد أو شرط، إذ أن المشرع مثلما حافظ بهذا التحديد على مصالح رب العمل، فإنه في نفس الوقت أقر بعض الوسائل والضمانات للعامل ضد تعسف رب العمل في استعمال حقه، منها وضع إجراءات أولية قبل الفصل منا وأهمها:
1.  أخذ بعين الاعتبار ظروف ارتكاب الفعل المكيف على أنه خطأ جسيم، وخاصة تلك المحيطة بالعامل في حد ذاته، والبحث عن الدوافع والمبررات التي أدت به إلى ارتكاب ذلك التصرف، وهذا من خلال الرجوع إلى حياة ومحيط وشخصية العامل طوال وجوده في المؤسسة المستخدمة، والتأكد من النوايا الحسنة أو السيئة التي قد تكون قد أدت إلى ذلك العمل من خلال دراسة سيرة العامل في مكان العمل. هذه المعطيات التي قد تؤثر بشكل أو بآخر في تكييف التصرف من جهة، وفي تحديد العقوبة من جهة أخرى والتي هي بمثابة تقدير الظروف المخففة أو المشددة للعقوبة المعمول بها في القانون الجنائي ، ولأجل ذلك وضع المشرع عدة أحكام في القانون الجديد بهدف حماية العامل ومنحه ضمانات كافية لعدم تعسف صاحب العمل في تطبيقه لأحكام الفصل التأديبي، ومن ذلك ما تضمنته المادة 73/1 المضافة في القانون الجديد والتي تنص: "يجب أن يراعي المستخدم على الخصوص عند تحديد ووصف الخطأ الجسيم الذي يرتكبه العامل، الظروف التي ارتكب فيها الخطأ ومدى اتساعه، ودرجة خطورته والضرر الذي ألحقه، وكذلك السيرة التي كان يسلكها العامل حتى تاريخ ارتكابه الخطأ نحو عمله ونحو ممتلكات هيئته المستخدمة".
2.  أن يتم اتخاذ قرار الفصل التأديبي باقتراح من لجنة التأديب بعد التأكد من ثبوت الخطأ الجسيم في حقه وفق الأحكام والإجراءات التي يتضمنها النظام الداخلي في مجال التأديب، التي يجب أن تستمع إلى دفوع وحجج العامل المعني، الذي يمكنه أن يكون مصحوبا بعامل يختاره من بقية عمال المؤسسة للدفاع عنه وكذلك بعد الاستماع لكافة الشهود الذين يمكن أن يقدموا توضيحات لصالح أو ضد العامل فيما يتعلق بالخطأ المتابع بصفة رسمية وتمكين العامل من إثبات كل لوقائع والملابسات المحيطة بالفعل.
3.    إبلاغ العامل بصفة رسمية وكتابية بقرار الفصل، سواء كان هذا الفصل مع إشعار مسبق وتعويض تسريح أو بدونهما.
وهذه الإجراءات جوهرية، لا بد من صاحب العمل مراعاته، وإلا أصبح فصله تعسفيا ولو كان مبررا وهذا ما نصت عليه المادة 73/3 المعدلة.
ومن هنا يمكن للعامل الذي تعرض للفصل التعسفي أن يطعن في قرار الفصل وفقا للإجراءات المنصوص عليها ضمن القانون الساري على المنازعات الفردية، وأن يلجأ إلى الجهات القضائية المختصة في المسائل الاجتماعية، وله فوق ذلك طلب التعويض عن ذلك الفصل، حيث تفصل المحكمة في طلب الإلغاء المقدم من قبل العامل بمقتضى حكم ابتدائي ونهائي وفق أحكام المادة 73/4، والمادة 21 من قانون 90-04 المتعلق بمنازعات العمل الفردية.
وعملا على ضمان أكبر قدر من الفاعلية الجزاءات المترتبة على التسريح التعسفي، فقد تم تعديل المادة 73 مكرر4 بما يضمن تحقيق هذا الهدف حيث أصبحت تنص على: "إذا وقع تسريح العامل مخالفة للإجراءات القانونية أو الاتفاقية الملزمة، تلغي المحكمة المختصة ابتدائيا ونهائيا قرار التسريح بسبب عدم احترام الإجراءات، ونلزم المستخدم بالقيام بالإجراءات المعمول به وتمنح العامل تعويضا ماليا على نفقة المستخدم، لا يقل عن الأجر الذي يتقاضاه كما لو استمر في عمله.
وإذا حدث تسريح العامل خرقا لأحكام المادة 73 أعلاه، يعتبر تعسفيا
".
ومن خلال هذه المادة يتبين لنا أن المحكمة نفصل ابتدائيا ونهائيا إما بإعادة العامل وإدماجه في
المؤسسة مع الاحتفاظ بامتيازاته المكتسبة أو في حالة رفض أحد الطرفين بمنحة تعويضا ماليا لا يقل عن الأجر الذي يتقاضاه العامل عن مدة ستة أشهر من العمل دون الإخلال بالتعويضات المحتملة.
3.آثار الفصل التأديبي: ومما سبق يتبين لنا أن الفصل التأديبي نوعين:
1.  الفصل التأديبي مع الاحتفاظ للعامل بحق مهلة الإشعار المسبق، كما هي محددة في النظام الداخلي، أو الاتفاقيات الجماعية، وتعويض التسريح كما هو محدد في النظام المعمول به، في حالة ما إذا كان الخطأ الجسيم من النوع الذي يعتبر سببا جديا وحقيقيا للفصل أو التسريح أو ما يعرف بالخطأ الذي لا يجعل استمرار علاقة العمل أمرا مستحيلا.
2.  الفصل التأديبي دون مهلة للإخطار أو تعويض التسريح، وهي الحالة التي يقدر فيها الخطأ المرتكب من قبل العامل من الجسامة بالشكل الذي يستحيل معه استمرار علاقة العمل ولو لمدة الإخطار المسبق وفق المفهوم الفقهي الذي أشرنا إليه من قبل، ووفق التحديد القانوني للأخطاء الجسيمة.
إلا إنه في كلتا الحالتين، يحتفظ العامل بحقه في تحصيل كل مخلفات وعلاواته المترتبة على الفترة الزمنية التي تسبق فصله، إلى جانب حقه في الحصول على شهادة العمل عن كل المدة التي قضاها في المؤسسة المستخدمة.

المطلب الثاني: الفسخ لإدانة بتهمة سالبة للحرية.
انطلاقا من طبيعة العمل بين الطرفين وهي إلزامية لهما، فإن استحالة تنفيذ التزامات أحد الطرفين في هذه العلاقة تمنح للطرف الآخر حق الفسخ عقد العمل، وهي القاعدة المتفق عليها في كافة العقود الملزمة للجانبين، ومن هذه الحالات حالة فقد العامل لحريته بسبب حكم قضائي أو تدبير احتياطي كالإيقاف الاحتياطي، أو الحكم على العامل بعقوبة سالبة للحرية كالحبس أو السجن النافذين. وفي هذه الحالات يوضع العامل في وضع يستحيل له من خلاله أداء مهامه وأعماله المعتادة، وفي هذه الحالة يمكن لصاحب العمل فصل العامل دون إخطار مسبق أو تعويض إلا أن الإشكال الذي يقوم في هذه الحالة لا سيما إذا كان بسبب التهمة خارج عن نطاق العمل، هو مدى حق العامل الذي نثبت براءته بمقتضى حكم نهائي في العودة إلى منصب عمله خاصة أن المادة 125 مكرر قانون عقوبات لم تحدد ذلك، والمرجح أنه ليس لصاحب العمل أي سبب يلزمه بإعادة العامل إلى عمله من الناحية القانونية، أما إذا كان رب العمل هو الخصم كأن يتهم أحد عماله بالاختلاس ، ثم يتبين براءته فإنه ملزم بإعادته للعمل، وإذا اقتضى الأمر دفع أجرة عن المدة التي قضاها في التوقيف الاحتياطي كنوع من التعويض المعنوي والمادي عما أصابه من أضرار مادية ومعنوية من جراء التهمة الموجهة إليه، وفي هذه الحالة يمكن اعتبار هذه الواقعة كسبب شرعي لفسخ عقد العمل، وإنما كسب لوقف علاقة العمل.

المبحث الثاني: التسريح لأسباب اقتصادية.
إن التطور التكنولوجي والهيكلي للمؤسسات المستخدمة، والأزمات المالية التي أصبحت صفة من صفات المؤسسات الحديثة، خصوصا بعد الحرب العالمية الثانية، قد أثر على عالم الشغل حيث أدى ذلك إلى وقوع المؤسسات في العديد من المرات إلى صعوبات مالية أو تصادمها مع حتميات التطور والتحديث واستعمال طرق ووسائل تكنولوجية حديثة مما أثر بالسلب على العمال وذلك قصد التقليل من النفقة وزيادة المردودية في الإنتاج بأقل التكاليف خصوصا في خضم المنافسة الحرة، حيث لم يعد يوجد إجراء فصل فردي وإنما تعدى إلى أكثر من ذلك وأصبح فصل جماعي وهذا ليس للأسباب التقليدية بل لسبب جديد وهو السبب الاقتصادي والتقني، وأصبحت القوانين الحديثة تسمح لصاحب العمل الذي تعترضه صعوبات مالية أو تقنية، أو إدخال تعديلات تنظيمية وهيكلية جديدة على مؤسسة قصد تطويرها من شأنها الاستغناء من جزء كبير من اليد العاملة وذلك وفق إجراءات معينة ومحددة في القوانين والنظم الموضوعية بصفة خاصة لتنظيم هذه الطريقة من التسريح.
كما أصبحت الاتفاقيات الجماعية تعالج هذه النقطة بصفة دقيقة ومضبوطة تحقق مصلحة الطرفين، لما يمثله هذا السبب تهديد لمنصب العامل، والاستقرار الجماعي للعمال.
ونظرا لأهمية هذا التسريح فسنحاول أن نلم في هذا المبحث بأهم جوانبه القانونية والتنظيمية.

المطلب الأول: تحديد مفهوم التسريح الجماعي والأسباب الاقتصادية.
هذا النظام (التسريح الجماعي) عدة إشكاليات، حيث يتعلق بعضها بتحديد مفاهيم والتكييفات الخاصة بأسلوب التسريح الجماعي في حد ذاته، وتحديد أنواع الأسباب الاقتصادية التي تبرر هذا النوع من التسريح، إلى جانب تحديد مدى جدية وصحة هذه الأسباب وإثبات حقيقتها، والجهات المؤهلة للقيام بهذه المهمة، بينما يتعلق البعض الآخر بالاحتياطات والإجراءات الأولية لهذا التسريح.
1.    مفهوم التسريح الجماعي: ببساطة هو فصل أكثر من عامل دفعة واحدة أو وفق جدول زمني محدد بصفة متلاحقة نظرا لأسباب اقتصادية، وهو إجراء يتخذه صاحب العمل عندما يتعرض لصعوبات مالية أو تجارية أو تقنية تفرض عليه التخفيف أو التقليل من عدد العمال كحل وحيد لإعادة توازنه الاقتصادي والمادي.
لكن هذا لا يكفي لتوضيح هذا الإجراء وبيان أسسه وخلفياته ونتائجه، لأن المشكل أعمق من أن يسوى بهذه النظرة البسيطة للموضوع، ولا بد من التعمق في البحث فيه، إلا أنه يمكن القول بأن التسريح الجماعي هو: "فصل مجموعة من العمال بسبب صعوبات أو ضغوط اقتصادية، أو بسبب إعادة التنظيم الهيكلي في المؤسسة، أو بسبب توقف النشاط وذلك وفق جدول زمني محدد ومتلاحق أو دفعة واحدة".

ومن
 المفهوم السابق نجد أن العبرة من هذا التسريح تكمن في اشتراك العمال المسرحين في السبب وليس العدد، وعليه يخرج من نطاق هذا التصنيف فصل مجموعة عمال لأسباب مختلفة، كارتكاب خطأ جسيم أو انتهاء مدة العمل أو عقد العمل.
أما من الناحية القانونية، فليس هناك معيار محدد لضبط هذا المفهوم، فالمشرع لم يهتم بتحديد المفهوم بقدر اهتمامه بتحديد المبدأ،حيث نص في المادة 69 من قانون العامل والعمل بأنه: "يجوز للمستخدم تقليص عدد المستخدمين إذا بررت ذلك أسباب اقتصادية تسريحات فردية متزامنة، ويتخذ قراره بعد تفاوض جماعي" وهو ما يستنتج منه أن أسلوب التسريح الجماعي، قد يأخذ شكل التسريحات الفردية المتعاقبة، أو المتزامنة أو المتكررة، إلا أن أسباب اقتصادية، وهو ما يميزها عن غيرها من حالات التسريح الأخرى.
2.    حالات وأنواع الأسباب الاقتصادية: إن الحديث عن التسريح الجماعي دون تحديد مفهوم السبب الاقتصادي لا يكون له معنى إذ لا بد من تحديد السبب الاقتصادي الحقيقي الشرعي الذي يبرر فصل مجموعة من العمال، ما لا بد من تحديد معايير تفرق بمقتضاها بين السبب الحقيقي والسبب الصوري أو غير الحقيقي.
إن الإجابة على هذا الإشكال ليس بالبساطة المتوقعة لأنه يتعلق بمسألة لا يعرف حقيقتها إلا صاحبها، لأن تقدير صحة صعوبات مؤسسة معينة ليس بأمر في متناول الجميع بما في ذلك العمال والنقابات وحق مفتشي العمل، لأنها أمور داخلية تخص صاحب العمل.
وبالرجوع إلى الدراسات أو القوانين التي تناولت هذا الموضوع نجدها تميز بين نوعين من الأسباب، الأولى أسباب اقتصادية ظرفية
Les motifs économiques conjonctif  التي تكون نحن الضغوط الخارجة عن إرادة العامل.
أما الثانية فأسباب اقتصادية ناتجة عن إعادة تنظيم وهيكلة العمل في المؤسسة
Les motifs économiques de restructuration de l’entreprise .سواء كان ذلك من جراء تجميع عدة مؤسسات في مؤسسة واحدة أي حالة الإدماج بحالة La concentration-la fusion  أو تجهيز المؤسسة بوسائل وطرق أو أجهزة عمل حديثة ذات آلية وتكنولوجية متطورة، لزيادة الإنتاج والمردودية وتقليل التكاليف وتسهيل العمل والزيادة في سرعته، لاسيما في العصر الحالي حيث كثرت استعمال الآليات الإلكترونية ذات التسيير الآلي، المعتمدة على البرمجة المسبقة، أو ما يعرف بالروبو أي الرجل الآلي، التي نتج عنها استغناء الكثير من المؤسسات الكبرى خاصة على الكثير من عمالها الذين حلت محلهم هذه الآلات المتطورة، وهي الحالة التي تختلف عن سابقتها من حيث كون صاحب العمل قد قام بإعادة تنظيم وهيكلة مؤسسته، أو تجهيزها بمحض إرادته وبالتالي لا يكون أما حتمية التسريح الجماعي، كما كان عليه في الحالة الأولى، وعليه يجب التمييز بين الحالتين من حيث شروط وضمانات التسريح الجماعي الناتج عن السبب الثاني بالشكل الذي يجعلها أحسن بالنسبة للعمال من الشروط والضمانات الناتجة عن التسريح في الحالة الأولى، بل أن النقابات العمالية قد عملت على أن يكون التسريح مشروع فقط في الحالة الأولى لكون أسبابه ودوافعه تعود إلى ظروف وصعوبات خارجة عن إرادة رب العمل، إلا أن اتفاق 10/02/1962 المعدل بالملحق المؤرخ في 21/11/1974 في فرنسا وسع مفهوم السبب الاقتصادي إلى الحالتين معا، ولم يميز بينهما إلا فيما يخص الأخطار التي جعلها أطول وأوسع في الحالة الثانية من الأولى، وهو ما أخذ به قانون 03/01/1975 الخاص بالتسريح الجماعي لأسباب اقتصادية، كما سارت محكمة النقص هي الأخرى في اتجاه أوسع في الأسباب الاقتصادية، حيث اكتفت في حكم لها بملاحظة وجود أسباب ومشاكل ذات طابع تمر به المؤسسة دون البحث فيما إذا كانت استثنائية أو غير متوقعة بما فيها بعض الحالات العادية، كصعوبة الحصول على القروض . أما الأسباب الناتجة عن إعادة تنظيم وهيكلة المؤسسة، فهي أكثر تنوعا ومرونة من سابقتها، فقد تكون هذه الهيكلة أو التنظيم من أجل رفع المردودية وتقليل التكاليف وربح الوقت كحالة تجديد العتاد وتوزيع العمال على الفروع والأقسام, وهذا قد يترتب عنه إلغاء بعض مناصب العمل التي تصبح غير مضمنة في الهيكلة الجديدة أو غير ضرورية وبالتالي ضرورة تسريح العمال الذين يشغلونها.
وقد يكون التسريح الجماعي نتيجة تعديل في بنود عقد العمل، نتيجة لإحدى الأسباب السابقة، حيث يتم هذا التعديل من طرف واحد وهو رب العمل الذي يقابله رفض العامل كتغيير نوعية العمل أو المنصب أو الأجر ...إلخ.
هذه الحالات كلها اعتبرت مبررات للتسريح الجماعي لأسباب اقتصادية لا سيما بعد صدور قانون 03/01/1975 حيث قبل هذا التاريخ كانت ضمن حالات التسريح الفردي وبالتالي أصبح رب العمل ملزم بمراعاة إجراءات الفصل الجماعي لا سيما إجراء طلب الموافقة المسبقة من الإدارة المختصة بذلك، حيث أن إهمال هذا الإجراء يعتبر خطأ إجرائي يجعل الفصل تعسفي يستلزم التعويض إلى جانب تحويل النزاع من طابع إداري إلى طابع عمالي.
أما حالة انتهاء المشروع في قطاع الأشغال العمومية والبناء، فقد اعتبر القضاء هذا العقد من العقود المحددة بمدة، وبالتالي فقد أخرج قانون 1975 التسريحات بسبب انتهاء العمل من دائرة التسريح الجماعي لأسباب اقتصادية، تاركا إياها تابعة لقانون 1973.
أما بالنسبة إلى معالجة وتحديد هذه الحالات في القانون الجزائري فإنه لا يوجد أي نص يوضحها، وحتى الاتفاقيات الجماعية حيث اكتفت في كافة الحالات إلى الإشارة سوى إلى ما يعرف بلأسباب المالية أو الاقتصادية، دون أن تحدد ما إذا كانت ظرفية أو تنظيمية مما أدى في أغلب الأحيان إلى تسريحات جماعية للعمال لعدم استقلالية المؤسسات لسنة 1988، وذلك في غياب الرقابة الإدارية والقضائية أو عدم فعاليتها إن وجدت جراء اعتماد المفهوم الواسع للاستقلالية وضعف التنظيمات النقابية أمام مسؤولي المؤسسات المستخدمة، وكذلك الحكومات المتعاقبة على التحكم في هذا النزيف العمالي الذي رفع حجم البطالة بشكل كبير في السنوات الأخيرة حيث بلغت حسب إحصائيات الديوان الوطني للإحصاء معدل 28 % سنة 1996، إذ لم يعد سوق العمل الوطني يستوعب سوى 5.4 مليون إلى 7 ملايين عامل  في الجزائر.
ووصلت البطالة إلى 34 % سنة 2000 مما أدى إلى التوجه إلى حل المؤسسات الاقتصادية العمومية وخصخصتها مما أدى إلى تسريح آلاف العمال وصل نهاية 1996 إلى ما يزيد عن 68508 عامل، حيث تم حل بين سنتي 1997-1998 أكثر من 363 مؤسسة محلية وخصخصة أكثر من 200 أخرى.
ونظرا للطبيعة الخاصة لهذا الصنف من التسريح، فقد أحاطته التشريعات المقارنة ومن بينها التشريع الوطني المشار إليه سابقا بعدة قيود وشروط وإجراءات خاصة، كما ربطت عملية التسريح هذه بوجوب توفير عدة ضمانات واحتياطات تخص بعضها التقليل من عدد المسرحين، بينما تخص الثانية توفير وضمانات مادية ومهنية للعمال المسرحين.

المطلب الثاني: القيود الواردة على التسريح الجماعي والتدابير الأولية التي يجب أن يتضمنها الملف الاجتماعي المقترح للتفاوض.
1.    القيود: وتشمل عدة عمليات يستوجب على صاحب العمل القيام بها قبل التنفيذ، وتتمثل في ضرورة إعداد ملف كامل حول أسباب ودوافع هذا التسريح وعرضه على الجهات المختصة للمصادقة عليه، ثم التشاور والتفاوض مع الجهات الممثلة للعمال داخل المؤسسة وأخيرا ضرورة إعلام الجهات الإدارية بهذا الإجراء قبل الشروع في تطبيقه.
أ/إعداد الملف الاجتماعي أو عرض الأسباب: باعتبار هذا التسريح يكون من قبل صاحب العمل لذا يجب عليه تقديم تقريرا مفصلا لأسباب هذا التسريح مع ذكر فيه كافة الإجراءات التي قام بها، أو التي يستخدمها بالإضافة إلى الضمانات التي تم توفيرها للعمال المعنيين هذا الإجراء، ثم يعرض هذا التقرير أو ما يعرف يف الفقه الفرنسي بالبرنامج الاجتماعي على لجنة المؤسسة في النظام الفرنسي وعلى لجنة المشاركة في النظام الجزائري وهذا ما نصت عليه المادة 10 من المرسوم التشريعي 94-09 المؤرخ في 26 ماي 1994.
فبالنسبة للنظام الفرنسي أقر ما يلي:
1)    منح لجنة المؤسسة صلاحية الإطلاع والدراسة الدورية سنويا على حصيلة تطور التشغيل في المؤسسة للسنة الماضية وبرنامج التشغيل المسطر للسنة القادمة والمعد من قبل الهيئة المسيرة للمؤسسة المستخدمة.
2)    توجيه اللجنة محضرها خلال 15 يوما إلى الجهات الإدارية المعنية.
3)    دعوة صاحب العمل بصفة إلزامية إلى اجتماع لجنة المؤسسة مع تقديم مشروع وأسباب التسريح في كل الحالات.
أما الاتفاق المهني المبرم في 10 فيفري 1969 فقد حدد مجموعة من الإجراءات كضمانات للعمال. ونص على إلزامية إعلام اللجنة الذي يكون كتابيا ويحمل مجموعة من المحاور منها:
1)    إطلاع اللجنة عن الأسباب المالية والاقتصادية والتقنية التي أدت إلى تقديم مشروع التسريح الجماعي، لتبدي اللجنة رأيها في ذلك.
2)    بيان أهمية وعدد العمال الذين سيشملهم التسريح ومستويات مهنتهم في السلم المهني الداخلي للمؤسسة المعنية.
3)    تقديم المستخدم لبرنامج العمل الذي وضعه من أجل التخفيف أو التقليص من عدد العمال الذين سيشملهم التسريح، والإجراءات التي سوف يتخذها فيما يخص هؤلاء العمال المسرحين.
أما النظام الجزائري فهو لا يختلف كثيرا عن القوانين الفرنسية من حيث المبادئ العامة، إذ أخذت القوانين الجزائرية بأسلوب التسيير المشترك، إذ استبدلت القوانين الجديدة مجلس العمال بلجنة المشاركة التي نضمت بقانون العمل لسنة 1990، منها نص المادة 94/4 والتي حددت صلاحيتها منها:
1)    إبداء رأيها قبل تنفيذ المستخدم بما يلي: تنظيم العمل (مقاييسه)، طرق التحفيز، مراقبة العمل، توقيت العمل.
2)    مشاريع إعادة هيكلة الشغل (تخفيض مدة العمل، إعادة توزيع العمال، تقليص عددهم).
3)    إبداء رأيها خلال 15 يوما ابتداء من تاريخ تقديم المستخدم لعرض الأسباب عل اللجنة.
أما في حالة عدم وجود اللجنة في المؤسسة المعنية، فإن الرأي يعود إلى الممثلين النقابيين في المؤسسة، أي المكتب أو الخلية النقابية، وفي حالة عدم وجود هذه التنظيمات النقابية، فيعرض الأمر على الممثلين المنتخبين مباشرة من قبل العمال وفق ما تنص عليه أحكام قانون ممارسة الحق النقابي المتمم والمعدل بمقتضى القانون 90-4 المؤرخ في 2 ماي 1990.
وهذه الإجراءات ملزمة لصاحب العمل والعبرة هنا بالإجراء في حد ذاته بغض النظر عن النتيجة، ذلك أن قبول أو رفض اللجنة المشاركة أو التنظيم النقابي، أ ممثلي العمال يتحدد من خلال التفاوض الذي يتم بينهم وبين صاحب العمل حول الملف، ومن هنا فغن عدم تنفيذ أي إجراء قد يعرض العملية للبطلان بسبب مخالفة الجانب الإجرائي في التسريح وبالتالي يعتبر هذا التسريح تعسفيا ومنه فإنه يخضع لأحكام المادة 73/4 من قانون 90-11 وهو نفس الجزاء في النظام الفرنسي.
ب/التفاوض والتشاور حول الملف الاجتماعيLe volet social بين صاحب العمل والهيئة الممثلة للعمال: 
إن عرض ملف التسريح على الهيئة الممثلة للعمال هو تمكينهم من إعطاء رأيهم في الموضوع وإعلامهم بالإجراء والتفاوض معهم حول كافة الإجراءات التي تسمح بتفادي أي نزاع قد تفرزه هذه العملية.
وفي هذا الجانب نص المرسوم التشريعي 94-04 في المادة 10 على أنه "يعرض المستخدم أو ممثله محتوى يشمل مجموع التدابير المقررة في الجانب الاجتماعي مجرد المصادقة عليها، على لجنة المساهمة أي لجنة المشاركة- والمنظمات النقابية التمثيلية لعمال المؤسسة في إطار اجتماعات منفصلة خصيصا لهذا الغرض.
وفق الاستدعاء بوثيقة تتضمن محتوى الجانب الاجتماعي".
أما المادة 11 منه فقد نصت على أن الاجتماعات تهدف إلى: "تهيئة الظروف الملائمة للتشاور حول مضمون الجانب الاجتماعي وشروط تنفيذه، بحيث تسمح: 
 ·للأطراف أن تؤكد على إرادتها في اللجوء إلى المصالحة والوساطة وعند الاقتضاء إلى التحكيم لحل كل نزاع يطرأ في هذا المجال. 
· لممثلي الهيئة المستخدمة أن يوضحوا ويعرضوا الوضع الاقتصادي والمالي وكذا مضمون الجانب الاجتماعي. 
·لممثلي العمال أن يعبروا عن آرائهم واقتراحاتهم وملاحظاتهم وتوصياتهم حول مضمون الجانب الاجتماعي".
وتشكل هذه الاجتماعات والمشاورات التي تتم وفق نفس إجراءات التفاوض الجماعي لاتفاق جماعي، الإطار الذي يتم فيه التفاوض في شكل لجان مشتركة متساوية الأعضاء بهدف التوصل إلى اتفاق خاص بالمسائل العملية والإجرائية والمالية والمهنية المترتبة على إجراء التسريح، على أن تتوج هذه المفاوضات وفق أحكام المادة 13 من المرسوم السابق: "بتحرير محضر يوقعه الطرفان، تثبت فيه نقاط الاتفاق وعند الاقتضاء المسائل التي تظل محل تحفظ أو محل خلاف" أما المادة 14 منه فتطرقت إلى المسائل المختلف حولها حيث يمكن اللجوء فيها إلى المصالحة عن طريق مفتش العمل وعند الضرورة إلى التحكيم الاختياري كما هو محدد في القانون الخاص بتسوية النزاعات الجماعية للعمل. 90-02.
أما إذا تم الاتفاق على جميع البنود فإن هذا الاتفاق لا يكون نافذا إلا بعد إيداعه من قبل صاحب العمل لدى كتابة ضبط المحكمة المختصة إقليميا، ليشرع بعدها في تنفيذه وفق جدول زمني وإجراءات متفق عليها ووفق الأحكام المنظمة لعمليات التسريح الجماعي المشار إليها سابقا.
إلا أن استكمال هذا التسريح إلا بعد أن تثبت الهيئة المستخدمة أنها قد سددت أو تسدد جميع اشتراكات الضمان الاجتماعي L’assurance , ونشير هنا إلى أن التشريع الجزائري لم يشترط أي إذن مسبق للإدارة (إدارة العمل) ولا حنى إعلامها بعملية التسريح هذه وهذا بخلاف المشرع الفرنسي.
2/التدابير الأولية التي يجب أن يتضمنها الملف الاجتماعي المقترح للتفاوض:
يهدف الملف الاجتماعي أو ما يعرف Le volet social  إلى دراسة وبحث كل السبل التي من شأنها الحفاظ على مناصب الشغل لأكبر قد ممكن من العمال من جهة وإلى وضع معايير موضوعية ومنصفة لتحديد عدد العمال الذين سيشملهم التسريح من جهة ثانية وهذا يتطلب الأمر ضرورة التعاون بين كل من صاحب العمل والهيئات الممثلة للعمال ولهذا عمل التشريع الجزائري منذ البداية على تأكيد هذه الفكرة، حيث نص في المادة 70 من قانون 90-11 على أنه: "يجب على المستخدم قبل القيام بتقليص عدد المستخدمين أن يلجأ إلى جميع الوسائل التي من شأنها التقليل من عدد التسريحات..."
إلا أن هذا القانون لم يتضمن الوسائل والتدابير الكافية لتفادي تسريح الأعداد الكبيرة من العمال، الأمر الذي أدي بالدولة إلى إصدار القوانين الجديدة لسنة 1994 والتي تشكل نظام متكامل للحفاظ على مناصب العمل، أو على الأقل تخفف وقع البطالة.
وقد وضع المشرع نظاما يتكون من مرحلتين ومتعاقبتين تتضمن كل واحدة مجموعة من الإجراءات والتدابير الأولية واضحة ومحددة.
تشمل المرحلة الأولى والتي نصت عليها المادة 7 من المرسوم 94-09، على عدة إجراءات يمكن لصاح العمل أن يتخذها كلها أو واحدة منها أو بعضها وتتمثل في:
1.    تكييف النظام التعويضي، لاسيما العلاوات والتعويضات المرتبطة بنتائج العمل.
2.    إعادة دراسة أشكال مرتب العمل ومستوياته، بما فيه مرتبات الإطارات المسيرة أو تجميد الترقية.
3.    تنظيم عمليات التكوين التحويلي كإجراء ضروري لإعادة توزيع العمال.
4.    إلغاء تدريجي للجوء إلى العمل بالساعات الإضافية.
5.    إحالة العمال الذين بلغوا السن القانونية على التقاعد، وأولئك الذين يمكنهم الاستفادة من التقاعد المسبق.
6.    إدخال تقسيم العمل، والعمل بالتوقيت الجزئي.
7.    عدم تجديد عقود العمل المحددة للمدة.
أما المرحلة الثانية التي نصت عليها المادتان 08 و09 من هذا المرسوم فتتمثل في بعض التدابير التي يمكن اللجوء إليها كتكملة للتدابير السابقة، وبعض التدابير والإجراءات الضرورية لتحديد الفئات والأعداد العمالية المعنية بالتسريح.
ففيما يخص التدابير التكميلية فقد حددتها المادة 08 وتتمثل فيما يلي:
1.    تنظيم المستخدم لعمليات إعادة التوزيع للإجراء المعنيين بالاتصال مع الفرع أو القطاع التابع له، والمصالح العمومية للشغل والعمل والتكوين المهني والإدارات القطاعية المختصة.
2.    إنشاء أنشطة تدعمها الدولة إذا اقتضى الأمر ذلك لصالح الأجراء المعنيين بإعادة التوزيع.
أما فيما يخص التدابير الضرورية التي تضمنتها المادة 09 فتتمثل في:
1.    تحديد المعايير والمقاييس التي ينبغي أن تسمح بتحديد الأجراء الذين يستفيدون من تدابير الحماية المنصوص عليها في أحكام مرسوم 94-09.
2.    شروط إعداد القوائم الاسمية للأجراء الموزعين حسب أماكن العمل وكيفياتها عند الاقتضاء، ويجب أن يستفيد هؤلاء الأجراء مما يأتيك
الإحالة على التقاعد ، قبول الإحالة على التقاعد المسبق، إبداعات التأمين على البطالة، وفوق هذه التدابير ومن أجل تقليل توقيف عملية التسريح، فقد منح تشجيعات وتحفيزات للمؤسسات التي تبدي حرصا على الحفاظ عمالها وهذا مانصت عليه المادة 25 من المرسوم 94-09.
أما المادة 26 منه فقد نصت على المساعدات التي يمكن لصاحب العمل طلبها وتتمثل:
تخفيض أو إعفاء جبائي أو شبه جبائي في إطار القوانين التالية:
1.    إعانة في باب التمويل الجزئي لدورات التكوين والتحويل، وإنشاء نشاطات لصالح أجراء المؤسسة في إطار اتفاقية تربط المستخدم بمصالح الإدارة المكلفة بتسيير الصندوق الوطني لترقية الشغل وإدارته.
2.    منح الصندوق الوطني لترقية الشغل ضمانات للحصول على قروض لتمويل استثمارات دفع طاقات الإنتاج القائمة أو لإنشاء نشاطات جديدة.
كما يمكن أن تتمثل هذه المساعدة بتكفل الإدارة المحلية بدعم رب العمل.
1.    توظيف أجراء مسرحين.
2.    تنظيم ورشات ذات منفعة عامة لصالح الأجراء المسرحين.
3.    مساعدة الأجراء المسرحين للحصول على عوامل الإنتاج ووسائله الضرورية لإنشاء نشاطات أخرى لحسابهم الخاص.
وهذا ما نصت عليه المادة 27 من المرسوم السابق.

المطلب الثالث: الضمانات القانونية للعمال المسرحين.
بعد إتمام الإجراءات السابقة وتحديد عدد وأصناف العمال المسرحين يشرع رب العمل بإعداد قرار الفصل الفردية لأسباب اقتصادية، لتبلغ إلى كل عامل بصفة شخصية، دون شرط التحدث معه كما هو الحال في النظام الفرنسي الذي يلزمه بالعكس من خلال قانون 1986، لكن قانون 1989 ألغى هذا الشرط في حالة تسريح عدد كبير من العمال بل يتم ذلك اتجاه ممثلهم النقابي.
وبعد إعداد هذه القرارات وتبليغها يستوجب على صاحب العمل تسديد ودفع التعويضات القانونية للمعنيين، والذي حددته المادة 22 من قانون 94-09 بأجر ثلاثة أشهر، ويتم الدفع مباشرة كما يتم لإفادة العامل من حقه في عطلة مدفوعة الأجر.
أما العمال الذين يحالون على التقاعد المسبق، أو يستفيدون من منصب جديد، أو يحالون على التقاعد العادي فلا يستفيدون من التعويض السابق بل يكتفون فقط بحقهم في عطلة مدفوعة الأجر، وهذا ما نصت عليه المادة 21 من المرسوم السابق.
وأخيرا بعد إتمام هذه العمليات يتم تحديد قوائم اسمية للعمال المسرحين ويبلغ إلى مفتشية العمل المختصة إقليميا وإلى صناديق التأمين والبطالة والتقاعد المسبق وهذا ما نصت عليه المادة 16 من نفس المرسوم.
ومن بين الضمانات الأخرى التي توفرها القوانين الاجتماعية الحالية، هي إفادة العامل المسرح سواء المحال على التقاعد المسبق أو التأمين على البطالة من:
1.    الخدمات الاجتماعية التي تؤديها مؤسساتهم المستخدمة الأصلية الأخيرة لمدة سنة كاملة على الأقل، أو لمدة أكثر تحددها الاتفاقيات والاتفاقيات الجماعية التي نصت عليها المادة 28 من نفس المرسوم.
2.    الاستفادة من أداءات الضمان الاجتماعي لاسيما بالأداءات العينية عن المرض والأمومة والمنح العائلية، ورأسمال الوفاة لذوي حقوق المسرح.
3.    الحصول على العطلة المدفوعة الأجر، وكذا تعويض الأخطار المسبق.
4.    التمتع بحق الأولوية في تحصيل الأجور ومختلف التعويضات في حالة حل المؤسسة المستخدمة أو إفلاسها أو تصفيتها قضائيا وذلك قبل كافة ديون صاحب العمل الأخرى.
5.    الاستفادة من حق الأولوية في إعادة التوظيف، شرط أن يلتحق بالمنصب بمجرد تلقيه لأول استدعاء.
6.    الحق في الحصول على شهادة عمل تتضمن كافة البيانات والمعلومات الخاصة بحياته المهنية في المؤسسة طوال فترة تواجده فيها.
إن عدم احترام هذه التدابير يؤدي إلى بطلان التسريح الذي يسمح بالمحكمة المختصة إقليميا في إلغائه أو إبطاله بحكم ابتدائي نهائي من أول جلسة وفق أحكام المادة 73/04 من قانون 90-11 والمادة 16 من المرسوم 94-09.

الخـــــاتمة
ومن خلال ما ذكرناه سابقا نستنتج أن التسريح بصفة عامة سواء كان تأديبيا أو لتهمة سالبة للحرية أو لأسباب اقتصادية هو سلاح ذو حدين خصوصا في وقتنا الحالي، فمن جهة هو ورقة رابحة في يد صاحب العمل وإن وضعت في مواجهته بعض القيود إلا أنها تظل حبرا على ورق خاصة مع الثغرات القانونية التي يمكن أن توجد بها ، ومن أهمها عدم تحديد مفهوم دقيق للخطأ الجسيم الذي يعتبر أساس التسريح التأديبي. ومن جهة أخرى هو تهديد للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للدولة.
لذا نرجو في الأخير التقليل من هذه الظاهرة في حدود العقلانية والإطار القانوني لكي لا نكون مجحفين ومتحيزين لطرف دون الآخر.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | Hostgator Discount Code تعريب : ق,ب,م